نلمس اليوم تحول العالم المتسارع إلى التخلص من قيد الأوراق، واختصار الوقت والقيود حتى في العالم الرقمي، فالتقنية وثابة يفني بعضها بعضا، فلو أخذنا ـ مثلا ـ بطاقة الصراف الآلي التي حلت بديلا عمليا مأمونا عن النقود الورقية، فقد بدأ استخدامها بالرقم السري، ثم تحولت إلى الاستخدام بواسطة التمرير، ثم تطبق الآن فكرة الاستغناء الكلي عن البطاقة، واستخدام البصمة المباشرة بديلا عمليا عنها، ومثلها الهواتف بتقنية (الرقم السري/ البصمة/ التعرف على الوجه)، وقس على ذلك في وسائط التخزين وبرامج التقنية وتطبيقاتها المختلفة.

هذا التسارع (المجنون) يجب أن يوقظنا ويفتح أذهاننا على أننا متأخرون كثيرا عن مواكبة العصر التقني الجامح، وإلقاء نظرة على مكتبات الجامعات والمكتبات العامة وغيرها سيرينا أثر التقنية، فقد باتت مبانيها العملاقة هادئة من ضجيج القراء والبحاثة، أشبه ما تكون بمدن أشباح بالكاد ترى من يرتادها وينقب في خزائنها عن معلومة، ومع ذلك ما تزال شاعرية التشبث بالأوراق مسيطرة على أذهان كثيرين وأدبياتهم تشعرن ملمس الورق وروائحه وما إلى ذلك من أعراض النوستالجيا، غافلين عن أن هذه المكتبات بمحتوياتها ستصبح متاحف يرتادها الأجيال، ويقفون على أطلالها، ويتعجبون من ثقل الأحمال التي كنا نحملها غدوة ورواحا.

في رأيي أن مسارعة كل الجهات إلى رقمنة كنوزها الورقية بكل طريقة وآلية متاحة واجب، بل فرض عين، لأنه سيثري المحتوى العربي على المستوى النصي، ومثله مسارعة الجهات الإعلامية عبر رقمنة محتوياتها المسموعة والمرئية، وإنشاء مكتبات ومنصات ضخمة على الشبكة، تتيح الاطلاع عليها، لإبراز حضور المحتوى العربي بأشكاله، ولا مناص مطلقا من ذلك، إلا لمتقاعس قعدت به همته عن اللحاق بالركب العالمي، فتعمد طمر تلك الكنوز في غياهب التسويف والإهمال.

أضف إلى ما سبق أن تمتلك الجهات المشرعة مرونة وسرعة استجابة لتسارع التقنيات، وأن تعنى عناية فائقة بتشكيل وعي اجتماعي بأهمية المحتوى الرقمي وقيمته وأثره، وأن تبادر بحماسة إلى خلق قنوات فعالة لتحفيز الأفراد إلى بناء وبث المحتوى الرقمي المثري بجميع أشكاله، وأن توفر الدعم المالي والمعنوي واللوجستي لمبادرات المؤسسات والأفراد التي تصنع حلولا للتغول الرقمي الهائل، وتملأ فجوات تباطئنا، وفراغات التسويف البيروقراطي، فهذا العالم ـ مطلقا ـ لا يلتفت إلى الوراء!