من جهة أخرى، فقد بات التفسير الديني حاضرا مع كل جائحة تجتاح العالم، والنبش في الأحداث التاريخية، وإن لم يجدوا قولا يسبغ الموضوع الديني على الظاهرة أو الجائحة، عزوها إلى (الذنوب والعقاب)، أو تحدي الله سبحانه وتعالى للغرب (فرعون العصر)، أو بحثوا عن مسوغ يوجب العقوبة الإلهية بالبلد أو الشعب المنكوب، وهذا الخطاب ليس للآخر غير المسلم فقط، بل هو أيضا للمسلم المختلف مذهبيا، يظهر جليا بين الشيعة والسنة، وربما يظهر بين التقسيمات المندرجة تحت الطائفتين، ويصل أحيانا إلى داخل التقسيم ذاته، كما ترجمته بعض المقولات التي ظهرت إبان السيول العارمة التي أغرقت بعض أحياء جدة عام 2009، وعزاها بعضهم إلى المعاصي التي يقترفها ساكنوها حسب زعمهم!

ما يزال الصراع مستعرا بين العلمي والديني، خاصة في ثقافة العالم الثالث، فهي أسيرة هذه الأفكار، رغم أن بعض هذه الدول متقدمة علميا، ولديها من وسائل الرفاه والوعي الفكري ما يحررها من أسر الفكرة إلا أن البنية الذهنية تأسست قواعدها على هذه الثقافة، فأصبحت صلبة لا تتأثر بالمقولات العلمية كما يرى إبراهيم البليهي، فلا تستغرب أن تجد طبيبا أو صيدلانيا أو فيزيائيا يتجاوز العلمي إلى الديني، أو يعسف العلمي لوجهة النظر الدينية.

لا مناص من أن نفسح مساحة في تفكيرنا للعلم، فهو النتيجة المنطقية لما حث عليه الإسلام في كثير من آيات القرآن التي تدعو إلى التفكر والتدبر، وهو فتح من الله هدى العقل البشري إلى كشفه، وما يزال العقل العلمي دائبا في كشف أسرار الكون والحياة وفهم أنظمتها، وهذا في رأيي من أهم عوامل تقوية الإيمان بالله بناء على الأدلة المنطقية الهادية إلى عظمة الخالق وحكمته، والقائدة إلى محبته وتعظيمه، وهو أجدى وأجدر من خطابات (التخويف) الذي صيرته كثير من الخطابات الدينية أس العلاقة بين الخالق والمخلوق.

ahmad_helali@